موفق الدين بن عثمان
660
مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم )
وكان لعفّان مكان مرتفع يجلس فيه ، فجلس فيه في بعض الأيام ، وجاءت له أحمال فوضعت في الطريق وهو ينظر إليها ، فجاء رجل فقير معه إناء فيه شئ من « النيدة » فعثر بعدل « 1 » فسقط الإناء من يده وتبدّد ما فيه ، فبقى باهتا . فاستحضره عفّان وقال له : ما دهاك يا رجل ؟ قال : يا سيدي أنا رجل فقير ، أعمل في كل يوم بدرهم وربع درهم ، وأشترى خبزا بذلك لعيالى ، فلما كان اليوم اشتهى الصّبية شيئا حلوا ، فاشتريت لهم هذه « النيدة » التي سقطت بما عملت ذلك اليوم ، فدهشت لذلك ، فلا أنا بالذي أبقيت ثمن الخبز ، ولا أنا بالذي قضيت شهوة الصّبية . فبكى عفان وقال له : اذهب فكلّ عدل وجدته ملوّثا بشئ من « النّيدة » فخذه . فنزل الرجل إلى الأعدال فوجد « النيدة » قد وقعت على عدل واحد . فأخذه ومضى . وقيل : إنه بعد هذا كله ، وهذه العطايا « 2 » لمّا حانت وفاته قال لصاحب له : إذا أنا متّ ، فخذ ابنتي هذه - ولم يكن له سواها - فاتركها في المسجد وخلّ سبيلها ، فإنّها وديعتي عند اللّه تعالى . فلمّا توفى فعل صاحبه كما أمر « 3 » ، فاتّفق أنّ محظيّة من حظايا أمير المؤمنين الخليفة الفاطمي ، دخلت إلى الجامع متنكرة في زىّ العوام بقصد الفرجة ، فلما رأتها جلست بإزائها طويلا ، وانتظرت من يطلبها ، فما وجدت أحدا ، فقالت لها : ألك والد أو والدة ؟ قالت : لا . فأخذتها ومضت بها
--> ( 1 ) النيدة : نوع من الحلوى . . والعدل : الحمل . ( 2 ) هكذا في « ص » . . وفي « م » : « بعد هذا الإعطاء » . ( 3 ) في « ص » : « ففعل ذلك وتركها في الجامع » .